April 23, 2015

الحق والعدالة

الحق والعدالة مجزوءة السياسة: محاور درس: الحق والعدالة: المحور الأول: الحق بين الطبيعي والوضعي: لمحور الثاني: العدالة كأسا...
الحق والعدالة

الحق والعدالة



مجزوءة السياسة:
محاور درس: الحق والعدالة:
المحور الأول: الحق بين الطبيعي والوضعي:
لمحور الثاني: العدالة كأساس للحق:
المحور الثالث: العدالة بين الإنصاف والمساواة:

تقديم إشكالي:
إذا كان مفهوم العدالة صفة لما هو عادل بحيث يحتوي معاني متعددة كالفضيلة الأخلاقية والتصرف وفق القوانين والتشريعات، مما يجعل العدالة ترتبط بالمؤسسات القانونية والتشريعية التي تنظم العلاقات بين الأفراد كما يرتبط بالقيم الأخلاقية، فإن مفهوم الحق متعدد الدلالات حسب المجال الذي يستخدم فيه، ففي المجال المعرفي المنطقي يفيد الحق الحقيقة واليقين والاستدلال السليم، أما في المجال الأخلاقي فإنه يفيد العدل والمساواة والإنصاف مما يجعل مفهوم الحق والعدالة متداخلين وينفتحان ويتقاطعان مع مفاهيم أخرى مما يثير مجموعة من الإشكاليات منها:
*    هل يتأسس الحق على ما هو طبيعي أم على ما هو قانوني؟
*    ما هي طبيعة العلاقة بين الحق والعدالة؟ أيهما يتأسس على الآخر؟
*    هل يمكن وجود الحق خارج القوانين والتشريعات؟
*    إذا كانت العدالة هي تحقيق للمساواة والإنصاف فهل تستطيع أن تنصف جميع الأفراد داخل المجتمع؟
المحور الأول: الحق بين الطبيعي والوضعي:
إذا كان الحق هو الاستقامة واليقين والحقيقة، فالحق الطبيعي حسب طوماس هوبز هو حرية الإنسان في أن يستعمل قوته وقدرته الخاصة للحفاظ على طبيعته، أي على حياته بكل الوسائل الناجحة لتحقيق ذلك الهدف، والمقصود بالحرية هو غياب العوائق والموانع التي تمنع المرء من استغلال قدرته على فعل ما يشاء، والقانون الطبيعي هو قاعدة عامة اهتدى إليها العقل، بحيث يمنع على الإنسان أن يفعل ما من شأنه أن يقضي على حياته أو يغفل عن صيانتها، وعليه يجب أن نميز حسب طوماس هوبز بين "الحق الطبيعي" و"القانون الطبيعي"، فالحق يقوم على الحرية في حين أن القانون يقوم على الإلزام، ضرورة هذا التمييز المتناقض ترتكز على حالة الطبيعة وهي حالة حرب ضد الكل، فيما يحتكم كل واحد إلى ما يمليه عقله، ولأن لا شيء يمنعه من استخدام ما يحفظه من أعدائه يترتب أن لكل إنسان الحق على كل شيء بما فيه الحق على أجساد الآخرين، إلا أن هذه الحالة لا تضمن الاستمرار في الحياة، لذا يجنح الناس إلى السلم، أي يتخلون عن الحرية المطلقة في التصرف ويقبلون بما يقبل به الآخرون، إن هذا التعاقد العقلي هو ما يسميه جون جاك روسو بالعقد الاجتماعي، به يجعل حدا فاصلا بين الوهم الفطري والعدل، بين الواجب والباعث الغريزي وبين الحق والشهية والعقل والميل بكلمة ينتقل الإنسان بفضل هذا التعاقد من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية، أي من الحرية الطبيعية التي لا حدود لها إلى الحرية المدنية التي تحدها الإرادة العامة، فالحق الطبيعي هو التنظيم الطبيعي أي القواعد التي تتميز بها طبيعة كل فرد، قواعد ندرك بها أن كل موجود يتحدد في سلوكه على نحو معين، مثلا يتحتم على الأسماك بحكم طبيعتها أن تعوم وأن يأكل الكبير منها الصغير (سبينوزا)، أما الحق الوضعي فهو ذلك الذي وضعه الإنسان وقننه، وهو ما سماه جون جاك روسو بحالة التمدن التي تجعل حدا للأنانية، وتفرض سيادة القانون من خلال العقل الاجتماعي، وهذا الأخير أدب وواجب وحق واستشارة للعقل وحرية مدنية وإرادة عامة والعقد قوانين تهدف التوحيد بين الحقوق والواجبات وتهدف إقرار العدالة (روسو)، والقانون يجمع بين الكونية والشمولية أي يعامل الأفراد ككل، وينظر إلى أفعالهم بشكل مجرد ولا يتعامل مع فرد بعينه ولا مع فعل خاص، الحق مثل الأخلاق يتضمن أمرا قطعيا وهو ما يجب أو ينبغي القيام به، من هنا فللحق وظيفة أداتية تحقق الخير العمومي عبر تقنية صياغة القوانين وتنفيذها، ليحكم على الأفعال في ممارستها، وما دامت الأفعال إنسانية خاصة بهذا الشعب أو ذاك فالحق يأخذ صفة القانون ويغدو قانونا خاصا وضعيا حسب أرسطو مقابل القانون المشترك، أي الطبيعي.
المحور الثاني: العدالة كأساس للحق:
العدالة انسجام بين طرفين (أفلاطون)، وهي فضيلة تقوم على حكمة التوسط بين الإفراط والتفريط وبين الإنصاف والجور (أرسطو)، وهي مساواة يرمز إليها برمز الميزان، فالانسجام كجوهر للعدالة لابد فيه من قوى متعارضة تبحث عن التناسب والتناغم، إن عدالة النفس تبدو لنا حين تنسجم قواها الشهوانية والغضبية والعقلية، وعدالة المجتمع تظهر لنا حين يؤدي كل فرد وظيفته الاجتماعية دون أن يتدخل في عمل الآخرين، أما العدالة القضائية فهي إعطاء لكل ذي حق حقه، كل الفضائل توجد في العدل، فالظلم رذيلة لأنه تصرف يتعدى حدود القانون، أما العدالة فهي فضيلة لأنها تراعي القوانين، وهذه الأخيرة وضعت لحفظ المساواة، فالشرير حسب أرسطو يريد أن يحوز أكثر من حقه، فهو بهذا السلوك يخل بالمساواة ويمس بالقانون الحامي للمصلحة العامة، إن الفعل العادل هو الفعل القادر كليا أو جزئيا على إيجاد أو حماية سعادة الجماعة السياسية، أو بعبارة سبينوزا العدل استعداد دائم للفرد لأن يعطي كل ذي حق ما يستحقه طبقا للقانون المدني، أما الظلم فهو أن يسلب شخص متذرعا بالقانون ما يستحقه شخص آخر طبقا للتفسير الصحيح للقانون، أساس العدالة إذن هو الحق الذي حسب إيميل شارتيي ما هو إلا المساواة، فبمجرد ما يفتقر عقد ما للتساوي نشك للتو في صلاحيته أي في أحقيته.
إن العدالة نتاج ملكة الشعور بالكرامة لدى الإنسان العاقل، وهي احترام المعيش تلقائيا في الإنسانية برمتها، فالعدالة مطلوبة بحد ذاتها لأنها تتضمن الحق والواجب في آن واحد، فالحق هو إلزام الآخر باحترام الإنسانية في الفرد، والواجب هو ضرورة احترام كرامة الغير حسب برودون، والفعل العادل لا يكون كذلك إلا إذا كان مقصودا، أي كان نتيجة إرادة واختيار، أما إذا كان غير متعمد، فلا يمكن اعتباره عادلا ولا جائرا، وتكتسب العدالة دلالتها في نظام شرعي ديمقراطي يكفل الحق في مجتمع تسوده الحرية حسب فردريك فون هايك.
المحور الثالث: العدالة بين الإنصاف والمساواة:
اتضح لنا مما سبق أن العدالة هي المساواة، أي التعادل، وهي أيضا الإنصاف، أي منح كل ذي حق حقه، لكن المنصف أفضل من العادل في نظر أرسطو، لا لسبب يتصل بهذا أو ذلك، وإنما بسبب القانون نفسه فهذا الأخير عام وفضفاض ولا يمكنه أن يغطي كل الحالات النوعية، في الحقيقة الخطأ ليس خطأه، بل هو خطأ ناتج ومترتب عن طبيعة الفعل ذاته، فبين الفعل والقانون ثغرات تركت من طرف المشرع، المنصف هو الذي يملأ هذه الثقوب ويصحح هذا النسيان، لذا فهو الأفضل، لكن أيمكن ضمان المساواة الكاملة بين الناس بشكل عادل؟

يبدو أن التعادلية وفكرة المساواة المطلقة ضربا من الطوباوبة، فالتفاوتات الفكرية والاجتماعية عميمة وعميقة لا يسبر غورها إلا العدالة المنصفة، أي تلك التي تراعي اختصاصات الناس وتمايز طباعهم ومؤهلاتهم حسب ماركس شيلر "ما من أحد ينشد المساواة حينما يشعر بأنه يمتلك قوة أو نعمة تتيح له على أي صعيد كان أن يتفوق، أما الذي يخشى الخسارة فهو وحده الذي ينشد العدالة والمساواة العامة"، إلا آن العدالة مرتبطة لا محالة بمفاهيم: "الحق والعقل والحرية والكرامة"، وهي تقتضي من الإنسان أن يكون حرا ولا يلحق الأذى بالغير حتى في ابتغاء تحقيق منفعته، تلك المنفعة التي لا يجب أن تتعارض مع المصلحة العامة، فالعدالة فيما بين المساواة والإنصاف فضيلة، "إننا ننحاز بشكل طبيعي لأنفسنا ولأصدقائنا ولكن باستطاعتنا أن نعلم كيف أن مصلحة ما تنتج عن تصرف أكثر انصافا" (د.هيوم)، والإنصاف حسب جون راولز هو تكافؤ الفرض بما يعني تمييز المتميز بموهبته وكفاءته ومنح الفرصة بل الأسبقية للأكثر حرمانا في المجتمع، وهذا هو التوافق السياسي الواعي والطواعي بين المواطنين الأحرار والأنداد.

Download