April 23, 2015

الحرية

الحرية مجزوءة الأخلاق: محاور درس: الحرية: المحور الأول: الحرية والحتمية: لمحور الثاني: حرية الإرادة: المحور الثالث: الحر...
الحرية

الحرية



مجزوءة الأخلاق:
محاور درس: الحرية:
المحور الأول: الحرية والحتمية:
لمحور الثاني: حرية الإرادة:
المحور الثالث: الحرية والقانون:

تقديم:
الحرية من أهم المفاهيم المطروحة للنقاش سواء على المستوى الأخلاقي، أم على المستوى الاجتماعي، أو الاقتصادي أو السياسي، وهي مطلب ينشده كل إنسان، وقد تطور هذا المفهوم واتسع مع تطور الإنسان.
*    فما هي الدلالات التي يكتسيها هذا المفهوم؟
الدلالات:
الدلالة اللغوية:
أ - الدلالة  العربية:
جاء في لسان العرب: حَرَّ يَحَرُّ حَراراً إِذا عَتَقَ، والحُرُّ، بالضم نقيض العبد، والجمع أَحْرَارٌ وحِرارٌ، والحُرَّة نقيض الأَمة، وتحرير الولد، أَن يفرده لطاعة الله عز وجل وخدمة المسجد، وحرية العرب: أَشرافهم، هو من حُرية قومه، أَي من خالصهم وحُرُّ الفاكهةِ: خِيارُها.
ب - الدلالة الفرنسية:
الحرية هي القدرة على القيام بالفعل دون إكراه.
الدلالة الفلسفية:
الإنسان الحر هو الذي ليس عبدا ولا سجينا، والذي يفعل ما يشاء وليس ما يريده غيره، وتشير إلى حالة الكائن الذي لا يعاني إكراها الذي يتصرف وفقا لمشيئته وطبيعته، الحرية السياسية تتمثل في غياب إكراه اجتماعي على الفرد   حيث يكون المرء حرا في أن يفعل كل ما لا يمنعه القانون، وحرا في أن يرفض كل ما لا يأمره بفعله، مثل حرية التفكير والتعبير والنشر ...، فالحرية السياسية تتمثل في الحقوق المعترف بها للفرد، هذه الحقوق التي تحد من سلطة الحكومة.
الطرح الإشكالي:
يرتبط مفهوم الحرية بالتخلص من مختلف الإكراهات، سواء كانت من طبيعة بيولوجية أو نفسية أو اجتماعية ...، ونظرا لهذه الجوانب المتباينة التي يحيل عليها مفهوم الحرية، فإن تحديده يطرح الكثير من الصعوبات، فإذا كانت الحرية خصما عنيدا للحتمية، فإن ذلك سيلقي بها في أحضان العفوية والصدفة، أما إذا كانت خاضعة لقانون ما، فهذا سيطرح مسألة الإرادة موضع تساؤل، فالإرادة تستدعي الحديث عن المسؤولية، إذ بدون مسؤولية لا يمكن التحكم في حرية الإرادة، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه من خلال الإشكالات الفلسفية التالية:
*    ما طبيعة العلاقة بين الحرية والحتميةّ؟
*    ما هي تجليات حرية الإرادة؟
*    كيف يؤطر القانون الحرية؟
المحور الأول: الحرية والحتمية:
يرى البعض أن الحديث عن الحرية لا يستقيم إلا بالحديث عن نقيضها، أي عن الجبرية والحتمية، فما الحتمية؟، وما الجبرية؟
الحتمية اتجاه علمي يؤكد أن لكل ظاهرة أسباب، وأنه كلما توفرت نفس الأسباب حصلت بالضرورة نفس الأسباب، فالحتمية نفي للصدفة والفوضى وتأكيد على وجود نظام صارم، أما الجبرية فهي اتجاه ديني ينسب كل شيء للذات الإلهية وتنفي عن الإنسان كل قدرة عن الفعل، فالفاعل الوحيد الحق هو الله، والإنسان مسير، وإذا كانت الاتجاهات الدينية في القرون الوسطى قد نظرت إلى الحرية كفعل إنساني في علاقته بالإرادة الإلهية، فإن العلوم الإنسانية كشفت عن الشروط الواقعية (البيولوجية والنفسية اللاشعورية والاجتماعية) المحددة لسلوك الشخص وحريته، وفي هذا الإطار نجد الفيلسوف العربي المسلم ابن رشد ينتقد الجبرية، فالجبرية تؤكد خضوع الإنسان للمشيئة الإلهية، وتنفي توفره على أية قدرة على الفعل، فالله هو وحده الفاعل ولا فاعل سواه، أما ابن رشد فيبين أن الله تعالى خلق الإنسان في عالم، فوهبه قدرات ذاتية على الفعل والترك، وجعل للعالم نظاما، فأفعال الإنسان إذا مشروطة بالنظام الذي أوجده الله في الكون، وبالفطرة التي فطر الله تعالى الإنسان عليها، والإنسان ليس مسؤولا عن تصرفاته إلا لأنه حر، وهو ليس حرا في تحدي الإرادة الإلهية وخرق النظام الكوني، إن الحرية عند ابن رشد مشروطة بنظام من الأسباب التي خلقها الله في أبداننا والتي أوجدها في العالم الخارجي، وعليه فالحرية هي قدرة الإنسان الذاتية على إتيان أفعاله في توافق وانسجام مع نظام الكون ونظام الذات.
وفي نفس السياق ولكن من وجهة نظر مخالفة ينتقد ميرلوبانتي الفيلسوف الفرنسي موقف الفلسفة الوجودية وتصور العلوم الإنسانية الوضعية، فالفلسفة الوجودية ترى أن الإنسان ليس فقط كائنا حرا بل إنه كائن محكوم عليه بالحرية، وأنه يتحدد طبقا لما يفعله بحريته، إنه حر في الأصل والماهية، والظروف هي التي زَيَّفَتْ أصالة وجوده، والعلوم الإنسانية تعاملت مع الإنسان لا ككائن في ذاته كما تصورته الفلسفات المثالية، بل ككائن في وضع تحكمه عوامل بيولوجية، وتوجهه دوافع نفسية لاشعورية، وتشرطه إكراهات اجتماعية، فالعلوم الإنسانية حولت الإنسان إلى آلة مبرمجة، وأفقدته ذاتيته وفاعليته/ فالحرية كما يراها ليبنتز وَهْمٌ، فنحن في الواقع خاضعون لحتميات تشرط كل سلوكاتنا، غير أن جهلنا بالأسباب هو ما يجعلنا نتوهم أننا أحرار، غير أن ميرلوبانتي يؤكد من خلال نقده أن الإنسان حر في موقف (وضع)، وأن حريته في قدرته على تحويل العوامل المتحكمة فيه إلى عوامل هو الذي يتحكم فيها ويوظفها لتحقيق اختياراته في حدود ما تسمح به الشروط، فالإنسان قادر على تعديل شروط وجوده لبناء ذاته وتحديد مصيره، وبذلك تصير الحرية تحررا أي فعلا يمارسه الإنسان في وضع لبناء ذاته وتغيير وتعديل شروط ظروفه، فهل حريته في فعل ما يريد؟
المحور الثاني: حرية الإرادة:
إذا كان رجال اللاهوت تأملوا الحرية في علاقاتها مع المشيئة الإلهية، والعلوم الإنسانية سعت إلى الكشف عن العوامل الموضوعية المتحكمة في السلوك الإنساني، فإن فلاسفة عصر الأنوار ربطوا بين الحرية والإرادة، الإرادة هي ملكة الفعل الحر والقدرة على انجازه، ويشترط التخلص من الضرورة وجود إرادة حرة، فما علاقة الحرية بالإرادة؟ وهل حرية إرادته في مسايرة ميوله الطبيعية أم في التحكم فيها؟
يميز كانط بين نوعين من الموجودات: الكائنات الطبيعية التي تستعمل كوسائل يتم استغلالها، والكائنات الإنسانية التي ينظر إليها كقيمة أخلاقية تستحق التقدير والاحترام، لأنها كائنات عاقلة وحرة، والحرية خاصية لكل كائن عاقل له إرادة، فهو حر لأن له إرادة، ويعرف الحرية بأنها "استقلال الإنسان عن أي شيء إلا القانون الأخلاقي"، فحرية الإرادة تتجلى في قدرة الإنسان على السيطرة إلى ميوله ونزواته الطبيعية التي تهبط به إلى مصاف الحيوانات، والعمل بمقتضى القانون الأخلاقي الذي يُسَطِّرُه العقل، إن حرية الإرادة عند كانط هي إرادة خيرة تعمل بالواجب الأخلاقي لا وفق الضرورة الطبيعية، فحرية الإرادة ليست في الخضوع للميول والشهوات الطبيعية، بل في العمل بما يفرضه عليه العقل من قوانين أخلاقية، فمجال حرية الإرادة هو الأخلاق، أي في فعل الخير، فالإنسان حر في فعل الخير والعمل بالفضائل لا في فعل الشر والرذائل، وأن مسايرة الأخلاق اختيار لكن مسايرة الميول ضرورة.
أما الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه فيعتبر الأخلاق غريبة عن الحياة، لأنها تُوهِمُ بوجود عالم لا وجود له، وأنها بحث عن الكمال خارج الحياة الواقعية، فالحياة فعل وقوة لا أخلاقٌ، وليست القيم الأخلاقية في نظره سوى أوهاما وحِيَلاً اخترعها الضعفاء من الناس لمواجهة الأقوياء في الصراع من أجل الحياة خدعوا بها الأقوياء كما خدعوا بها أنفسهم، فالأخلاق خدمةٌ لمبادئ غريبة عن الحياة، وهذا ما جعل إرادة الضعفاء إرادة عدم تزهد في الحياة وتتنكر لها، لقد صارت البشرية عبيد أوهام اخترعوها لإفساد الحياة، وعليه فإن نيتشه يدعو للتحرر من تلك الأوهام بإرادة الحياة التي هي إرادة القوة، إن إرادة الحرية هي إرادة القوة لا إرادة الخير، والتحرر لا يكون بالزهد في الحياة وإنكارها، لأن الزهد يمنع الإنسان أن يكون إنسانا على الأرض، وعليه فإن الحرية هي التخلص من قيم الزهد في الحياة التي انتشرت مع الكنيسة المسيحية وكل الاتجاهات اللاهوتية، وإذا كانت الحرية عند كانط في انتصار المبادئ الأخلاقية، فإن الحرية عند نيتشه هي انتصار الميول الطبيعية.
المحور الثالث: الحرية والقانون:
الإنسان في نظر أنصار العقد الاجتماعي ولد حرا، وحريته في ممارسة قوته الطبيعية التي تصطدم بقوة أخرى، وينشأ عن ذلك حالة حرب يفقد فيها الإنسان أمنه وحريته وحياته، ولذلك كانت الضرورة تقتضي وضع حد لحالة الحرب والخروج من حالة الطبيعة بقيام دولة تصدر قوانين، فما القانون؟ وهل القانون وضع لحماية الحريات أم لمنعها؟ وهل حرية الإنسان في استعمال قوته الفردية أم في لجوئه إلى القوة العمومية التي تحميه؟ القانون إلزام والحرية اختيار، فكيف يمكن المواءمة بين القانون والحرية؟ وهل الحرية عمل ضد القانون أم عمل في إطار القانون؟ وهل القانون إجراء لتعطيل الحريات أم إطار لممارستها؟ ألا يجعل القانون الحرية نسبية لأنه يحميها وفي نفس الوقت يحدها؟ وهل الإنسان خارج القانون حر؟
يربط الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بين الحرية والنظام السياسي الديمقراطي القائم على فصل السلطات، فالحرية في نظره ليست في أن يفعل المواطن ما يريد بل هي أن يعمل ما تجيزه له القوانين العادلة، فمهمة القوانين هي تنظيم العلاقات بين الناس في المجتمع لضمان الحريات، فالحرية هي في احترام القانون والعمل به، وأن لا حرية خارج القانون، لكن ألا يؤدي الالتزام بالقانون إلى نفي الحرية؟
وترى الفيلسوفة الألمانية الأصل حنا أرندت أن الحرية ليست مسألة أخلاقية باطنية بل إنها مسألة سياسية تتعلق بنظام يعمل على تعايش الحريات ويوفر إمكانيات الفعل والتفكير والتعبير، فالحرية نشاط واع يمارسه المواطنون في ظل نظام سياسي للمطالبة بحقوقهم ورفع الغبن والقهر عنهم، والإنسان لا يعي حريته بذاته بل في علاقاته مع غيره ومع مؤسسات الدولة بالانتظام في مؤسسات المجتمع المدني لمنع هيمنة الدولة على المجتمع ووضع حد لكل إمكانية التسلط، وبذلك تتحول الحرية إلى تحرر أي إلى حركة واعية ومتواصلة لتنظيم العلاقات بين السلط لتعمل كل سلطة في مجال اختصاصها على حماية الحريات كحق سياسي.
استنتاجات عامة:

إن للحرية عند الإنسان تجليات كثيرة، تتمثل في عدم خضوعه لغرائزه، بل التحكم فيها من خلال تأجيلها، عكس الحيوان الذي يخضع لها خضوعا ضروريا، كما تتمثل في كونه يمكن أن يقول للشيء "نعم" أو "لا" حسب اختياره، إضافة إلى قدرته على القيام بالفعل ونقيضه حسب رغبته وحرية إرادته، لكن هذه الحرية تبقى محدودة بحدود حريات الآخرين، وبالقوانين المادية (فيزيائية، بيولوجية…)، والظروف التاريخية (الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية…)، التي يتموضع ضمنها الفرد، أن الحرية الإنسانية ترتبط بالمسؤولية، ففي غياب هذه الأخيرة تتحول إلى فوضى، لذلك عمل المجتمع على تقنينها بقانون يحدد الحقوق (الحريات) والواجبات، إذا كان الاستبداد نظام سياسي لا توجد فيه إلا الواجبات، وتغيب فيه الحقوق والحريات، وإذا كانت الفوضى حالة تسود فيها الحريات المطلقة في غياب الواجبات، فإن الديمقراطية نظام سياسي معتدل يوجد بين الاستبداد والفوضى حيث ينبني على التوازن بين الحقوق والواجبات بموجب قانون عادل.

Download