April 23, 2015

السعادة

السعادة مجزوءة الأخلاق: محاور درس: السعادة: المحور الأول: تمثلات السعادة: لمحور الثاني: تحصيل السعادة: المحور الثالث: السع...

السعادة



مجزوءة الأخلاق:
محاور درس: السعادة:
المحور الأول: تمثلات السعادة:
لمحور الثاني: تحصيل السعادة:
المحور الثالث: السعادة والواجب:

تقديم:
ليس يخفى أن الفلسفة تنقسم إلى ثلاثة مباحث كبرى وهي: مبحث المعرفة، ومبحث الانطولوجيا، ومبحث القيم، ويطرح كل واحد من هذه المباحث جملة مفاهيم وإشكالات، ومن بين جملة تلكم المفاهيم التي يطرحها مبحث القيم، نلفي مفهوم "السعادة".
*    فما هي دلالة هذا المفهوم؟
الدلالة المتداولة:
يتباين الناس في تمثلهم للسعادة فمنهم من يرى السعادة في الصحة، ومنهم من يراها في المال، ومنهم من يراها في الصداقة، ومنهم من يراها في راحة البال، ومنهم من يراها في تلبية كاملة للرغبات، وتحقيق المتعة في شتى أشكالها …، والعلة في اختلاف الناس في تمثلهم للسعادة هو جانب النقص الذي يعاني منه كل إنسان، فالفقير يرى السعادة في المال، والمريض يرى السعادة في الصحة، والأعزب يرى السعادة في الزواج وهكذا …، هذا ويلفت الانتباه في تمثلات الناس للسعادة، أنه يغلب عليها الجانب المادي الذي يقترن بما هو إرضاء للحواس.
الدلالة اللغوية:
أ ‌- "لسان العرب" لابن منظور:
جاء في "لسان العرب": سعد السعد بمعنى اليمن، وهو نقيض النحس، والسعود خلاف النحوسة، والسعادة خلاف الشقاوة، ونقول سعد يسعد سعدا وسعادة فهو سعيد، نقيض شقي والجمع سعداء، ويشتق من نفس الجدر ثلاثة ألفاظ تشترك في نفس المعنى وهي: الساعد، والسعدان، والسعد، فلفظ الساعد يدل أولا على ساعد الإنسان أو الطير أو القبيلة، فساعدا الإنسان ذراعاه، وساعدا الطائر جناحاه، وساعد القبيلة رئيسها، ويدل ثانيا على مجرى المياه، فسعيد المزرعة نهرها الذي يسقها، ويدل ثالثا على مخرج اللبن في الناقة، أما لفظ السعدان فيدل على نبات ذي شوك من أطيب مراعي الإبل، وأما لفظ السعد فيدل على الطيب ذي الرائحة الزكية.
إن ما يمكن استنتاجه من هذه الدلالات هو:
ü     اقتران السعادة بالإرضاء والارتواء، فالنهر الذي يسقي المزرعة يرويها، ولبن الناقة يروي ويشبع صغيرها، ومنبت شوك النخل يشبع جوع الإبل، والطيب يشبع النفس برائحته العطرة.
ü     اقترانها بالعضوين اللذين يدبران الجسد، وهما: الساعدان.
ومن هنا يكتسب اليمن دلالتين:
ü     تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع.
ü     تومئ إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير، فعمدة المدينة وساعدها هو رئيسها وعقلها المدبر لشؤونها والمسير لها نحو ما هو أفضل لها، ولا يمكن في هذا السياق تصور سعادة بدون تعاون واجتماع.
يتضح من كل ما سبق أن التعريف اللغوي للسعادة قد وسع من دلالتها بشكل جعلها تنفتح على عنصر لا مادي من طبيعة عقلية واجتماعية وسياسية تتعلق بالتفكير والتدبير.
الدلالة الفلسفية:
أ – "المعجم الفلسفي" لجميل صليبا:
السعادة هي الرضا التام بما تناله النفس من الخير، والفرق بينها وبين اللذة أن السعادة حالة خاصة بالإنسان، وأن رضا النفس بها تام، إذ من شرط السعادة أن تكون ميول النفس كلها راضية مرضية، وأن يكون رضاها بما حصلت عليه من الخير تاما ودائما، في حين أن "اللذة" حالة مشتركة بين الإنسان والحيوان، وأن رضا النفس بها مؤقت، وإذا كانت السعادة هي حالة إرضاء وإشباع وارتياح تام للرغبات يتسم بالثبات، فإنه متى سمت إلى مستوى الرضا الروحي ونعيم التأمل والنظر، أصبحت غبطة، وإن كانت هذه أسمى وأدوم، وللفلاسفة في حقيقة السعادة آراء مختلفة فمنهم من يقول إن السعادة هي في إتباع الفضيلة (أفلاطون)، ومنهم من يقول إنها في الاستمتاع بالملذات الحسية المدرسة (القورينائية)، أما أرسطو فانه يوحد الخير الأعلى والسعادة، ويجعل اللذة شرطا ضروريا للسعادة لا شرطا كافيا، وعين الأمر يقول به أبيقور الذي اعتبر اللذة هي غاية الحياة، وإن كان هو يقيم فروقا بين اللذات، أما الرواقيون فإنهم يرجعون السعادة إلى الفعل الموافق للعقل، والسعادة في نظرهم غير ممتنعة عن الحكم، وإن كان طريقها محفوفا بالألم.
ب ‌- "موسوعة لالاند" أندريه لالاند:
ü     السعادة هي حالة رضا تام تستأثر بمجامع الوعي.
ü     السعادة هي إرضاء كل الميول وإشباعها.
يتبدى لنا من كل ما سبق أن مفهوم السعادة تتداخل فيه دلالات متباينة قاموسية وفلسفية وتمثلية، كما يلوح لنا أن هذا المفهوم تتقاطع فيه حقول مختلفة بيولوجية واجتماعية وسياسية وميتافيزيقية وسيكولوجية، فضلا عن أنه يتاخم جملة من المفاهيم الفلسفية الأساسية، كاللذة والألم والفضيلة والخير الأعلى والعقل والنفس والسياسة والعدالة والخيال والفطرة والمحاكاة والواجب والغير والإرادة ...
الطرح الإشكالي:
إن السعادة هي شعور الفرد بإحساس الفرح، والارتياح، واللذة …، وهذا ما يجعلها غاية للإنسان يسعى إليها سواء على المستوى الحسي / الغريزي، أو على مستوى الفكر النظري، أو على مستوى السلوك الأخلاقي، وهكذا فللسعادة قيمة حسية وقيمة فلسفية تأملية، وقيمة أخلاقية تثير عدة قضايا فلسفية متمثلة في تعدد التمثلات التي تنسج حولها، وتنوع الموضوعات التي تحققها، إضافة إلى تعدد الدوافع التي تدفعنا إلى السعي ورائها، وأخيرا ارتباطها بالواجب الذي يحقق السعادة عندما يكون اتجاه الذات واتجاه الغير كذلك، إنها قضايا يمكن صياغتها من خلال هذه الأسئلة:
*    ما هي التمثلات التي تم بناؤها حول السعادة؟
*    لماذا نسعى نحو السعادة؟
*    ما علاقة السعادة بالواجب؟
المحور الأول: تمثلات السعادة:
إذا كان جميع الناس يتفقون على كون السعادة هي ما يبحثون عنه، فهل معنى هذا أنهم يبحثون عن الشيء نفسه؟ هل تدل السعادة على نفس المعنى عندهم جميعا أم أن كل واحد منهم يستعملها بمعناه الخاص ويقصد بها ما قد يسميه غيره نقيضها أي تعاسة؟
في كتابه "الأخلاق إلى نيقوماخوس" يميز أرسطو بين ثلاث تمثلات أساسية للسعادة هي: تمثل العامي، تمثل السياسي وتمثل الفيلسوف، فبالنسبة للعامي السعادة هي مرادف للاستمتاع المادي الناتج عن تحقيق اللذات الحسية وتجاوز مختلف أشكال النقص والحاجة، ونظرا لكون هذا المستوى من السعادة يتحدد من خلال نقيضه الذي هو النقص والحاجة، فإنه يختلف من فرد لآخر، بل يختلف لدى نفس الفرد الواحد من زمان لآخر، وهو ما سيعبر عنه ابن مسكويه بقوله: "الفقير يرى أن السعادة العظمى في الثروة واليسار، والمريض يرى أنها في الصحة والسلامة، والذليل يرى أنها في الجاه والسلطان، والخليع يرى أنها في الظفر بالمعشوق ..."، وهكذا كل يتمثل السعادة بناءا على النقص الذي يعانيه، أما بالنسبة للسياسي فالسعادة مرادفة للمجد والتشريفات التي ينالها الفرد نتيجة توليه مناصب سامية في الدولة، تخول له ممارسة أكبر قدر ممكن من السلطة على غيره، وجعلهم تابعين له وينظرون إليه نظرة إجلال وتقدير، خصوصا إذا ما كانت ممارسته لتلك السلطة يتم على أفضل نحو ممكن، بحيث تؤدي إلى جعل حياتهم أكثر أمنا واستقرارا، وإلى جعل مجتمعهم أكثر تقدما بالمقارنة مع مجتمعات غيرهم.
غير أن كل تمثل من هذين التمثلين هو خاطئ في رأي أرسطو، وفي رأي كل من ساروا على دربه، مثل: الفارابي وابن مسكويه وابن باجة ...الخ، فالتمثل العامي للسعادة الذي يربطها بالاستمتاع المادي واللذة الجسمية هو خاطئ وما يسميه سعادة هو ليس كذلك إلا بالاسم، لأن جعل اللذة الحسية والاستمتاع المادي غاية لأفعال وتصرفات الإنسان يجعل من جهة هذا الأخير عبدا خاضعا لمحددات غريبة عن طبيعته الإنسانية المتمثل في كونه عاقل، ويجعله من جهة ثانية غير متميز عن الحيوان والبهيمة، لأن اللذة الحسية والاستمتاع المادي هي من الأمور المشتركة بين الإنسان والحيوان، ولا يمكن للجري وراءها إلا أن يعمق البعد الحيواني فيه، وهو ما يتناقض كليا مع السعادة الحقة التي يمثل شرطها الأول حسب كل الفلاسفة في ابتعاد الإنسان أكبر قدر ممكن عن مرتبة الحيوان. كما أن اللذة الجسمية والاستمتاع المادي من جهة ثالثة وأخيرة ليست غايات في ذاتها وإنما هي مجرد وسائل في خدمة غايات أخرى غير ذاتها، وما كان كذلك لا يمكنه أن يكون سعادة، فهذه الأخيرة كما يقول أرسطو ويردد بعده كل من الفارابي وابن مسكويه وابن باجة "هي من الأشياء التي تختار لذاتها ... فكل ما يمكن تصوره إنما يطلب من أجل ما عداه إلا السعادة إذ هي غاية بحد ذاتها". أما التمثل السياسي للسعادة الذي يربطها بالمجد والتشريفات فهو أيضا خاطئ في رأي أرسطو ومن اتبعه وذلك لسببين رئيسيين أولهما هو ما ذكرناه قبل قليل أي أن المجد والتشريفات ليست بغايات نهائية ولا تطلب لذاتها وإنما هي غايات من أجل غايات أخرى من أجلها تطلب. ثانيهما أن المجد والتشريفات كما يقول أرسطو " ملك لألئك الذين يوزعونها أكثر من أن تكون للذين يتقبلونها" أي أنها ليست أمور شخصية يصل الفرد إلى حيازتها بناءا على أفعال محددة يختارها هو ويقرر إنجازها، وإنما هي أمور متعلقة بقوى خارجية تتمثل في ذلك الذي يمتلك سلطة أكبر كالملك أو الرئيس أو الشعب نفسه، وتبعا لذلك فليس هناك أدنى ضمانة لدوام التمتع بها، بل بالإمكان فقدانها في أية لحظة، وهو ما يتعارض كليا مع السعادة الحقة أو ما يسميه أرسطو بالخير الأسمى الذي يقول عنه بأنه "شيء شخصي محض، ولا يمكن إلا بغاية الصعوبة نزعه عن الفرد الذي هو حاصل عليه".
لا تكمن السعادة الحقة إذن في اللذة الجسمية والتمتع المادي لأنهما مشتركان بين الإنسان والحيوان، ولا في المجد والتشريفات لأنهما معرضان للزوال في أي لحظة، فأين تكمن إذن؟ كيف يتمثل الفيلسوف السعادة؟
إن السعادة كما تمثلها الفلاسفة القدامى وبصفة خاصة الأرسطيين منهم تكمن في ما سموه بالعيشة التأملية العقلية، أي العيشة التي يكرس فيها الفرد نفسه لممارسة التفكير والتأمل في موجودات هذا العالم بدءا من أخسها وأدناها مرتبة وهي تلك التي لا توجد إلا وهي مجسدة في مادة، وصولا إلى أشرفها وأعلاها مرتبة وهي تلك المجردة كليا عن المادة والتي يمثل الباري تعالى منتها سموها وشرفها.
إن ما يجعل السعادة الحقة تكمن حسب أرسطو وأتباعه في اللذة العقلية دون سواها من اللذات، وفي ممارسة التأمل والتفكير دون غيرها من الممارسات، هما أمرين اثنين: أولهما أن اللذة العقلية خاصة بالإنسان دون سواه من الموجودات، وتبعا لذلك فإن الممارسة التي تؤدي إلى تحصيلها تجعل الإنسان يتجاوز طبيعته الحيوانية ويقترب أكثر من الطبيعة الإلهية، ثانيهما أن هؤلاء الفلاسفة سيجعلون من ممارسة العلم ومن التدرج في مراتبه سبيلا لضمان الخلود والأبدية اللذان يمثلان في نهاية التحليل جوهر وماهية السعادة.
رغم القبول الكبير الذي ناله التصور الذي قدمه الفلاسفة الأرسطيين للسعادة واعتباره من قبل غيرهم من الفلاسفة التمثل الوحيد الصائب لها، فإن ذلك لم يمنع عدد من الفلاسفة من تقديم تمثلات أخرى لها سواء في العهد القديم نفسه أو في العهد الحديث والمعاصر، ففي العهد القديم رفضت ما يعرف بجماعة الرواقيين إقصاء اللذات الجسمية من أن تكون شرطا للسعادة، لأن الجسد كما ينقل ابن مسكويه عنهم "هو جزء من الإنسان وليس مجرد آلة"، وتبعا لذلك فإن السعادة التي في النفس والتي تنال بالعلم وبالأخلاق الفاضلة لا يمكنها في رأيهم أن تكون كاملة ما لم تقترن بها سعادة البدن التي تتمثل في رأيهم في انتفاء الألم والمعانات عنه، وهو التصور الذي سيصل إلى منتهاه في العهد المعاصر مع كل من الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه والفيلسوف الفرنسي إميل شارتيي المعروف ب 'ألان'، فمع نيتشه ليست اللذات الجسدية شرط للسعادة فقط وإنما هي السعادة نفسها، لأن العقل في رأي هذا الفيلسوف ليس له أدنى امتياز أو شرف بالمقارنة مع باقي القوى الحيوية الأخرى في الإنسان وبصفة خاصة الغرائز، وما يجعله يبدو كذلك هو فقط أن ما ينتجه من معارف وحقائق كانت مفيدة للإنسان في معركته من أجل البقاء وصراعه من أجل دوام الوجود، وبالنتيجة فإنه ليس هناك أي مبرر لاعتبار اللذات العقلية أشرف من اللذات الحسية كما ذئب على قول ذلك كل الفلاسفة السابقين ما دام أساسهما واحد وهو غريزة حفظ البقاء، أما بالنسبة 'لألان' فليست السعادة شيئا آخر سوى النجاح الذي يحققه الفرد في أعماله، فكلما تراكمت النجاحات وتوالت الانتصارات ازداد إحساس الفرد بالسعادة، خصوصا إذا ما كانت الأعمال التي يحقق فيها تلك النجاحات والانتصارات أعمال حرة، أي أعمال يختار الفرد نفسه بناءا على إرادته وحريته إنجازها أو الانخراط فيها، وليست مفروضة عليه من الخارج سواء كان هذا الخارج أشخاصا ومؤسسات أو كان ظروفا وعوامل اجتماعية واقتصادية...الخ، يقول ألان موضحا هذا التصور: "العمل المنظم والانتصارات تلو الانتصارات، هذه بدون شك صيغة السعادة ...، فنحن نكون سعداء أثناء الفعل الحر، أي من خلال القاعدة التي نخضع لها ومن خلال السلوك المقبول، سواء تعلق الأمر بلعبة كرة القدم أو بدراسة العلوم".
يتبين من كل ما سبق أن مفهوم السعادة مفهوم نسبي لا تختلف دلالته فقط من فئة اجتماعية إلى أخرى كما اعتقد ذلك الفلاسفة القدامى، وإنما من فرد لآخر بل ولدى نفس الفرد من زمن لآخر، فالفرد القوي الإيمان بوجود حياة أخروية يرى السعادة الحقة في الفوز بالجنة، بينما يراها من لا يؤمن بذلك في الاستمتاع بالخيرات المادية الموجودة في هذا العالمـ كما أن الفرد الواحد نفسه إن كان مريضا رأى السعادة في الصحة وإن كان جائعا رآها في تناول أطباق فاخرة، غير أن هذه الدلالات في تباينها تؤكد شيء واحد أساسي وهو أن السعادة لا تنفصل عن نقيضها الذي هو النقص والحاجة وهو ما يجعلها كما يقول كانط "مثل للخيال وليست مثل لعقل" أي أنها حلم أكثر منه واقع.
المحور الثاني: تحصيل السعادة:
إذا كانت السعادة الحقة حسب جل الفلاسفة لا تكمن في تحقيق اللذات الحسية وإشباع متطلبات الجسد، وإنما في تحقيق اللذات العقلية وإشباع متطلبات الروح، فما السبيل إلى تحقيق هذه السعادة برأيهم؟ ما الطريق الذي على الإنسان إتباعه لكي يحقق السعادة وينعم بها؟ وهل هناك طريق واحد يصلح للجميع أم أن هناك طرقا عدة كل منها يصلح لفئة خاصة من الناس؟ وهل يمكن فعلا تحقيق لذات العقل والروح دون تحقيق لذات الجسم والبدن؟
تماشيا مع تصورهم للسعادة ذهبت جماعة الرواقيين بزعامة أبيقور إلى القول بأن "اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغاياتها، فللجسم حسب أنصار هذه الجماعة نفس الأهمية التي للنفس، إنه كما قلنا سابقا ليس مجرد أداة في خدمة النفس وإنما هو جزء من الإنسان الذي تمثل النفس جزءه الآخر، وتبعا لذلك فإن كل ألم أو عناء يصيبه فهو يؤثر بالضرورة على طمأنينة النفس واستقرارها، وذلك كما تؤثر الاضطرابات التي تصيب النفس على راحة الجسم وسلامته، وبذلك لابد كي نضمن السعادة أن نعمل على تحقيق متطلبات كل من النفس والجسم دون أدنى تفضيل لأحدهما على الآخر، وهو ما يدل عليه مفهوم اللذة نفسه الذي يوضح أبيقور معناه قائلا: "عندما نقول إن اللذة هي غايتنا القصوى، فإننا لا نعني بذلك اللذات الخاصة بالفساق أو اللذات المتعلقة بالمتعة الجسدية، بل اللذة التي نقصدها تتميز بانعدام الألم في الجسم والاضطراب في النفس"، وبناءا على هذا المعنى فإن تحصيل السعادة في رأي أبيقور لا يقتضي إشباع أي لذة مهما كانت، وتجنب أي ألم مهما كان، بل من الواجب كي نحصل السعادة أن نتجنب كل لذة ينتج عنها فيما بعد ألما وإزعاجا أو ما شاكلهما، وأن نفضل عليها آلاما شديدة إذا ما كانت تسمح مكابدتها طويلا من الفوز بلذة أعظم، وهو ما يعني أن تحصيل السعادة حسب أبيقور يقتضي من جهة التزود بالقدرة على اتخاذ القرار الحاسم انطلاقا من الفحص الدقيق لما هو مفيد وما هو ضار ومن المقارنة بينهما، لأن في كثير من الأحيان قد يبدو أمر ما شرا بينما هو خير، كما قد يبدو أمر ما أنه خير بينما هو شر، ويقتضي من جهة ثانية حسن الاكتفاء بالذات والتعود على العيش البسيط والقنوع، فما دامت السعادة تكمن في "انعدام الألم في الجسد والاضطراب في النفس" فإن أفضل سبيل لتحقيقها هو أن نتعود على الحياة البسيطة والقنوعة حتى وإن كنا نمتلك الكثير، لأن ذلك يجعلنا لا نتأثر بتقلبات الدهر، أي حتى ما إذا انقلب علينا الدهر وفقدنا ذلك الكثير الذي كنا نمتلك لا نعاني آلاما شديدة ولا نفقد سعادتنا.
على خلاف هذا التصور اعتقد عدد كبير من الفلاسفة مثل سقراط، أفلاطون،الفارابي...الخ بأن تحصيل السعادة لا يتم إلا بالابتعاد كليا عن متطلبات الجسد وعن مختلف رغباته وشهواته، ومبرراتهم في ذلك هي:
ü     أن متطلبات الجسد مشتركة بين الإنسان والحيوان مما يجعل إتباعها يكرس البعد الحيواني في الإنسان بدل البعد الإلهي المتمثل في امتلاكه للعقل.
ü     أن الجسد ليس سوى أداة في خدمة الروح، إنه ليس غاية في ذاته وإنما فقط وسيلة على النفس أن تحسن استخدامها كي تضمن خلاصها وخلودها، لذا فإن الاهتمام به يجب أن ينحصر في ما يضمن بقاءه وبقائه فقط.
غير أن هؤلاء الفلاسفة قد اختلفوا فيما بينهم حول ما الذي يجب القيام به بالضبط لكي نحصل السعادة، فقد ذهبت جماعة منهم إلى اعتبار الانقطاع للتعبد وممارسة الشعائر الدينية هو السبيل الوحيد للسعادة، فالإنسان لا يمكنه أن يصل إلى مرتبة السعداء في رأي الحلاج وابن عربي وجلال الدين الرومي وغيرهم من المتصوفة إلا إذا استطاع التوحد بالذات الإلهية والتماهي معها، وهو ما لا يمكن أن يتحقق إلا بالإكثار من التعبد وذكر الله والابتعاد كليا عن كل ما له صلة بالشهوات والغرائز، بينما ذهبت جماعة أخرى منهم إلى اعتبار الانقطاع لممارسة العلم والارتقاء في مراتبه هو السبيل الوحيد للسعادة، فالإنسان لا يمكنه أن يصل إلى مرتبة السعداء في رأي ابن باجة مثلا إلا إذا وصل إلى أقصى درجات العلم الذي يتمثل عنده في ما يسميه بعلم العقل أي العلم الذي يهتم بالمعقولات المجردة كليا عن المادة، أو كما يقول "المعقولات كأحد موجودات العالم" والتي يمثل العلم بالباري تعالى، بصفاته، بنحو الوجود الذي له...إلخ أقصى درجاتها وأشرفها على الإطلاق، فعبر وصول الإنسان إلى هذه المرتبة من العلم يصبح موجودا بعقله لا بجسده فيضمن بذلك خلوده الذي هو السعادة القصوى، لكن لما كان الوصول إلى هذه المرتبة يتطلب توفر الفرد على قدرات عقلية عالية أو ما يسميه ابن باجة بالفطرة الفائقة، فضلا عن مساعدة الظروف الاجتماعية والاقتصادية على كمال قدراته وفطرته تلك، فإن تحصيل السعادة حسب هذا الفيلسوف غير ممكن إلا بالنسبة لفئة قليلة من الناس هم أولئك الذين وهبتهم الطبيعة فطرة فائقة وساعدهم وضعهم على كمال فطرتهم تلك، لكن ماذا عن أولئك الذين لا تتوفر فيهم هذه الشروط؟ هل محكوم عليهم بالتعاسة إلى الأبد؟ هل من المستحيل فوزهم بالخلود؟
حسب ابن باجة نعم، فما دام السبيل الوحيد لتحصيل السعادة في رأيه هو الارتقاء في سلم العلوم وما دام إتباع هذا السبيل يقتضي مؤهلات لا تتوفر لدى هؤلاء، فالنتيجة هي أن الظفر بالسعادة موقوف على فئة من الناس دون غيرهم، لكن حسب بعض الفلاسفة الآخرين مثل الفارابي وابن رشد فالأمر خلاف ذلك لأنه في رأيهم ليس هناك سبيل وحيد لتحصيل السعادة وإنما هناك سبلا عدة، كل منها يناسب فئة خاصة من الناس، فمن زودته الطبيعة بفطرة فائقة وساعدته الظروف على نمو واكتمال فطرته تلك فسبيله إلى السعادة هو ما قاله ابن باجة أي ممارسة العلم والارتقاء في مراتبه، أما من لم تزوده الطبيعة بتلك الفطرة أو حالت الظروف دون نموها وكمالها فسبيله إلى السعادة هو التزود بالفضائل الأخلاقية والسمو بوجوده إلى أعلى درجات الكمال الممكنة عبر الابتعاد عن كل ما هو حيواني فيه.
إن ما يجمع كل المواقف السابقة هو أنها نظرت إلى السعادة على أنها غاية نطمح إلى تحقيقها بعد الموت، إنها سعادة أخروية وليست دنيوية، لكن ماذا عن هذه الأخيرة؟ هل من المستحيل تحصيلها؟ هل من المستحيل أن نكون سعداء هنا والآن؟
لقد انقسم الفلاسفة على مر التاريخ إلى اتجاهين مختلفين بخصوص هذه الإشكالية، الأول ينفي كليا إمكانية تحقيق السعادة في هذه الدنيا، وهو ما يمثله ليس فقط الفلاسفة القدامى الذين رأينا بعضهم سابقا مثل أفلاطون، أرسطو، الفارابي، ابن باجة ...الخ، وإنما يمثله أيضا عدد من الفلاسفة والمفكرين المعاصرين ومن أبرزهم الفيلسوف شوبنهاور والمحلل النفساني سيغموند فرويد، فحسب شوبنهاور ما يجعلنا نستمتع بما لدينا في هذه الدنيا ونشعر بسعادة أثناء ذلك هو أشكال الشقاء والحرمان التي سبق أن عانيناها وتحتفظ ذاكرتنا بصور عنها، أي أن قيمة ما نعيشه في لحظة زمنية ما لا يتحدد إلا من خلال مقارنته بما كنا نعيشه فيما مضى بحيث متى كان أقل منه اعتبرناه شقاء حتى وإن كان يمثل مستوى عال من الرخاء والرفاهية، وبذلك فإن "كل سعادة هي سالبة، وليست لها أية إيجابية" كما يقول شوبنهاور، لأنها ليست سوى تجاوز للنقص والحاجة والحرمان والألم ...الخ، غير أن ما يتلو تعويض النقص أو تجاوزه "سيكون بدون شك إما شرا متجسدا، وإما فتورا وانتظارا بدون جدوى، أي ملل فهذه هي الحقيقة التي نعثر على أثرها في هذا العالم وهذه الحياة" أي أنه في نهاية التحليل ليس هناك أية إمكانية لتحصيل السعادة في هذه الدنيا وأن الإنسان محكوم عليه بالشقاء.
نفس هذا الموقف نجده عند مؤسس التحليل النفسي النمساوي سيغموند فرويد، فقد دافع هو الآخر عن استحالة أن يكون الإنسان سعيدا في هذه الدنيا فيقول: "إنه لم يدخل في خطة الخلق البتة أن يكون الإنسان سعيدا ... إن طاقتنا على السعادة محدودة أساسا بتكويننا وجبلتنا، وبالمقابل فإنه لأيسر علينا بكثير أن نتذوق تجربة التعاسة"، فتحقيق السعادة حسب فرويد يقتضي تحقيق هدفين أحدهما سلبي والآخر إيجابي، الأول يتمثل في تجنب الآلام وتحاشي الحرمان من الفرح، أما الثاني فيتمثل في التمتع بملذات عارمة، غير أن لا أحد من هذين الهدفين قابل للتحقيق، فالأول غير قابل للتحقيق لأن الألم يهددنا من كل ناحية، فهو يهددنا من جهة جسمنا المكتوب عليه الانحلال والمرض، ويهددنا من جهة العالم الخارجي الذي تتوفر لديه قوى كثيرة لا تقهر ولا تعرف الرحمة في سعيه لإبادتنا، ويهددنا أيضا من جهة علاقاتنا بالآخرين الذين لا يترددون في تعذيبنا وإصابتنا بالأذى، أما بالنسبة للهدف الثاني المتمثل في تحقيق ملذات عارمة فهو غير قابل للتحقيق أيضا بحكم طبيعتنا ذاتها، فتلك الملذات لا تتحقق لنا إلا في شكل ظواهر عارضة، أي في شكل تلبية مؤقتة ومباغتة للحاجات التي وصلت إلى درجة عالية من التوتر، ولا يمكن بحكم طبيعتنا ذاتها لذلك الإحساس باللذة أن يدوم ويستمر لأنه كما يقول فرويد: "كل ديمومة لوضع يرغب فيه الإنسان بدافع مبدأ اللذة لا ينجم عنها سوى هناء فاتر" مضيفا، "لقد جبلنا على نحو لا نستطيع معه أن ننعم بمتعة عارمة إلا إذا قامت على أساس التضاد والتنافر، أما ثبات الأحوال فلا يوفر لنا سوى إلا اليسير من المتعة".
لا يمكن إذن للإنسان حسب كل من شوبنهاور وفرويد لا تجنب الألم ولا تحقيق لذات عارمة دائمة، وبالنتيجة فإنه مستحيل عليه أن يكون سعيدا في هذه الدنيا.
خلافا لهذا التصور دافع فلاسفة آخرون عن أن السعادة الدنيوية ممكنة، وقد مثله في الفلسفة القديمة ما يعرف بجماعة الرواقيين التي ذهبت إلى القول كما رأينا ذلك سابقا، بأنه يكفي للإنسان التعود على العيش البسيط والقنوع وأن يجعل جسمه لا يتألم ونفسه لا تضطرب كي يشعر بالسعادة، وهي أمور برأيهم قابلة للتحقيق على الأقل لأغلبية الناس إن لم يكن لجميعهم، أما في الفلسفة الحديثة والمعاصرة فقد مثل هذا التصور كل من دافيد هيوم وإميل شارتيي المعروف ب'ألان' فحسب هيوم يمكن للإنسان أن يكون سعيدا في هذه الدنيا وسبيله إلى ذلك برأيه هو أن يعمل على تهذيب ذوقه وجعله أكثر رهافة ورقة، لأنه عبر ذلك سيدرك جمالية الحياة وسيستطيع التمتع بما فيه، يقول هيوم: "وباختصار لرهافة الذوق ورقته نفس الأثر الذي لرهافة الإحساس، إنها توسع من دائرة سعادتنا كما توسع من دائرة شقائنا وتجعلنا أكثر تأثرا بالأفراح وبالأحزان التي لا يبالي بها باقي الناس"، أما الطريقة التي من خلالها يمكن للفرد تهذيب ذوقه فهي تكمن في رأي هيوم في دراسته للأعمال الفنية والتوقف عند مختلف تجليات الجمال فيها سواء كانت تلك الأعمال شعرا أو موسيقى أو رسم ...الخ، أما 'ألان' الذي اعتقد هو الآخر في إمكانية تحقيق السعادة في هذه الدنيا، فقد حدد السبيل إليها في العمل وفق مبدأ أساسي هو أن نرغب في أن نكون سعداء وأن نقاوم من أجل ذلك مهما كانت العقبات والتحديات التي تواجهنا، لأنه بمجرد أن نستسلم ونعترف بهزيمتنا اتجاه تلك العوائق التي يعترف ألان بأنها تهددنا من كل صوب، فنحن نحكم على أنفسنا بالتعاسة وإلى الأبد، ومن هنا فالسبيل إلى تحقيق السعادة هنا والآن حسب ألان هو أن نريدها أولا، وأن نقاوم من أجلها ثانيا.
المحور الثالث: السعادة والواجب:
لقد عرف الإنسان منذ أرسطو بأنه "كائن اجتماعي بطبعه"، أي كائن لا يستقيم وجوده إلا داخل مجتمع يتقاسم أفراده المهام والأدوار، غير أن العيش داخل مجتمع يفرض على الفرد بالضرورة الخضوع لقوانينه وللقيم الأخلاقية السائدة فيه، أي يحدد له جملة من الواجبات التي عليه الالتزام بها والعمل وفقها، فهل يتعارض هذا مع بحث الفرد عن سعادته وجريه نحو تحقيقها؟ هل يشكل الالتزام بالواجبات الاجتماعية والأخلاقية عائقا أمام سعادة الفرد أم شرطا لتحصيلها؟
لقد اعتقد عدد غير قليل من الفلاسفة القدامى بأن سعادة الفرد تقتضي منه الابتعاد عن المجتمع وعن الإكراهات والالتزامات التي يقتضيها العيش فيه، فحسب ما يعرف بجماعة الرواقيين وفي مقدمتهم إبكتيت تنقسم الأشياء الموجودة في العالم إلى صنفين: الأول يتوقف علينا ويتمثل في آرائنا وحركاتنا ورغباتنا وميولاتنا وتصوراتنا، أما الثاني فهو الأشياء التي لا تتوقف علينا كالممتلكات والخيرات والسمعة ومظاهر التشريف، وهو ما يعني أن كل ما يتعلق بالمجتمع والآخرين ينتمي إلى الأشياء التي لا تتوقف علينا، وتبعا لذلك فإننا لا نمتلك أدنى سلطة عليها والسبيل الوحيد كي نكون سعداء هو أن نتخذ منها موقف اللامبالاة بحيث لا نطمح أبدا في تغييرها أو في جعلها تحدث كما نشاء ما دامت كما يقول إبكتيت "تابعة وخاضعة لألف عائق ولألف معترض، وغريبة كليا عنا" وكل من حاول التعلق بها كسبيل لسعادته " سيصطدم لا محالة بعوائق في كل مكان، وسيصاب بالعناء وبالاضطراب"، وهي بكل تأكيد أمور مناقضة للسعادة.
نفس هذا الموقف نجده عند كل متصوفة الإسلام، فضلا عن بعض فلاسفته كابن باجة مثلا، فبالنسبة للمتصوفة تحصيل السعادة لا يتم من خلال الانخراط في الحياة الاجتماعية والقيام بالواجبات التي تقتضيها، وإنما من خلال الابتعاد عنها والانقطاع للعبادة ولذكر الله، أو كما يقول الغزالي "قطع علاقة القلب عن الدنيا بالتجافي عن دار الغرور"، وهو نفس الموقف الذي سيذهب إليه ابن باجة في كتابه "تدبير المتوحد" مع فارق بسيط وهو أن الابتعاد عن الناس والمجتمع، وعن مشاغل الحياة الدنيا عامة هو من أجل التعبد بالنسبة للمتصوفة، بينما هذا الانقطاع هو من أجل ممارسة العلم بالنسبة لابن باجة، لأن الارتقاء في سلم العلوم والتدرج في مراتبها يمثل بالنسبة لابن باجة كما رأينا ذلك سابقا، أحد أهم السبل المؤدية للسعادة الحقة المتمثلة في الفوز بالخلود وبالحياة الأبدية، بل أنه السبيل الوحيد والأوحد لمن كانت فطرته فائقة وساعده وضعه على كمال فطرته تلك.
ضدا على هذا الموقف دافع جل فلاسفة الفترة الحديثة والمعاصرة عن أن سعادة الفرد لا تنال إلا بانخراطه في الحياة الاجتماعية وقيامه بالواجبات التي يقتضيها ذلك الانخراط، فمع كانط أصبح الخضوع للواجب الأخلاقي الشرط الضروري لكل سعادة، ليس فقط لأن الواجب الأخلاقي أمر مطلق، وقانون يتسم بالكونية والشمولية، وإنما أيضا وهذا هو الأهم، لأن ما يجب على الفرد فعله هو نفسه ما يريده، أي أن الواجب ليس نقيضا للإرادة وإنما مرادف لها، يقول كانط موضحا هذا الترادف: "إن عبارة 'يجب علي' هي في حقيقة أمرها هي نفسها 'إنني أريد' التي تصلح لكل كائن عاقل بشرط أن يكون العقل عنده عمليا دون ما عقبات تمنعه من ذلك" فكون الإنسان يحمل العقل، وكون هذا العقل مزود بمبادئ قبلية للفعل، كما بمبادئ قبلية للمعرفة حسب كانط، يجعل ما تمليه إرادته الحرة هو نفسه ما يقتضيه الواجب الأخلاقي، وبالنتيجة فإن هذا الأخير شرط للسعادة وليس عائق أمامها.
نفس هذا الموقف تقريبا نجده عند عدد من الفلاسفة المعاصرون مثل بتراند راسل و 'إميل شارتيي' المعروف ب"ألان"، فحسب راسل لا يمكن للإنسان أن يكون سعيدا إلا إذا كان محبوبا من قبل الغير، أي من قبل أفراد المجتمع الذي يعيش فيه، وكان ذلك الحب تلقائيا، أي ليس نتيجة منافع معينة يحققها لهم أو موهبة خاصة تجذبهم أو سلطة معينة تدفعهم للتقرب إليه وإنما فقط نتيجة ما يسميه راسل "اهتمامه الودي بهم" الذي يتمثل في رأي راسل في حب ملاحظتهم وتتبع صفاتهم وأفعالهم ومحاولة توفير لهم مجالات تحقق لهم الشعور بالسرور والفرح. فتصرف الفرد اتجاه الآخرين بهذه الطريقة وحده كفيل بأن يضمن له شعورا حقيقيا بالسعادة حسب راسل حيث يقول: "فالشخص الذي يكون سلوكه اتجاه الآخرين من هذا النوع وبصورة طبيعية سوف يكون مصدرا للسعادة ومستقبلا للرقة المتبادلة ...، ولن يحس بالمرارة من الجحود، لأنه قلما يلقى الجحود من الناس" وهو ما يعني أن السعادة بالنسبة للراسل تتأسس على واجب حسن معاملة الناس، وواجب الاهتمام المنزه والبريء عن كل منفعة بهم وليس على الابتعاد عنهم ومقاطعتهم كما اعتقد ذلك الكثير من الفلاسفة القدامى.

نفس هذا الموقف تقريبا نجده عند الفيلسوف الفرنسي 'ألان' فقد اعتقد هو الآخر أن الواجب ليس نقيضا للسعادة وإنما أساس لها، بل يذهب أبعد من ذلك فيؤكد أن السعادة نفسها واجب فيقول "من الواجب علينا أن نعلم الأطفال فن الحياة السعيدة" وهو الواجب الذي لا يمكنه أن يتحقق إلا إذا علمناهم وربيناهم على واجب آخر وهو"أن لا نتكلم عن تعاستنا للآخرين بتاتا، سواء الحاضر منها أو الغائب" لأن كل واحد من الناس كما يقول ألان "يريد أن يعيش ولا يريد أن يموت، ويبحث عن أولئك الذين يعيشون، أي أولئك الذين يقولون أنهم مسرورون ويظهرون سرورهم" وتبعا لذلك فنحن حين نتكلم عن تعاستنا للآخرين فإن ذلك سيجعلهم ينفرون منا فضلا عن جعلهم يحسون هم بدورهم بنوع من الألم والحزن، ولذلك فإن حديث الفرد عن تعاسته لا يجني السعادة لا له ولا للذين يتحدث إليهم، لذلك يقول 'ألان': "سوف يكون المجتمع رائعا لو أن كل واحد من الناس انشغل بوضع الحطب في النار، بدل البكاء على الرماد"، واضح من كل ما سبق أن السعادة وإن كانت مطلب فردي فهي لا يمكنها أن تتحقق إلا من خلال حياة اجتماعية يحس فيها الفرد بأنه محبوب ومرغوب فيه، وهو ما لا يمكنه أن يتسنى له إلا إذا كان ملتزما بواجباته مخلصا في أعماله، نزيها في علاقاته بالآخرين.

Download