May 2, 2015

الواجب

الواجب محاور درس الواجب: المحور الأول: الواجب والإكراه. المحور الثاني: الوعي الأخلاقي. المحور الثالث: الواجب و المجتمع.
الواجب

الواجب



محاور درس الواجب:
المحور الأول: الواجب والإكراه.
المحور الثاني: الوعي الأخلاقي.
المحور الثالث: الواجب و المجتمع.

الطرح الإشكالي:
في كثير من الأحيان يجد الفرد نفسه ملزما بالقيام بسلوكات معينة رغم كونها تتعارض مع إحساساته ورغباته الشخصية، وغالبا ما تدفعه بعض المواقف الاجتماعية للتخلي عن حقوقه الذاتية لصالح الواجب الأخلاقي الذي يوجد في كل القيم الأخلاقية، ويضفي عليها طابع الضرورة والإلزام، إلا أن هذا الواجب يطرح قضايا فلسفية مادام يبدو كإكراه مفروض على إرادتنا في بعض مظاهره، وكإرادة حرة تعبر عن ذاتها بتلقائية في مظاهر أخرى، إضافة إلى تعدد أسس الوعي الأخلاقي بين الأساس الذاتي متمثلا في الأحاسيس والمشاعر الفطرية، والأساس الموضوعي الذي يتجلى في المصدر الاجتماعي، وهذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية:
*    ما هي مظاهر وتجليات الواجب؟
*    ما مصدر الوعي الأخلاقي؟
*    ما علاقة الواجب بالمجتمع؟
المحور الأول: الواجب والإكراه:
يرى كانط أن الإنسان حينما يخضع للقوانين التي يمليها الواجب الصادر عن العقل، فإنه لا يخضع سوى لتشريعه الخاص، ولا يتصرف إلا طبقا لإرادته الخاصة، هذه الإرادة التي تتميز بالاستقلال الذاتي لأنها تشرع لنفسها في استقلال عن أية شروط أو غايات خارجية، ويرى كانط من جهة أخرى بأن الإرادة لا تخضع دوما لأوامر العقل، لذلك يمارس عليها هذا الأخير نوعا من الإكراه، إلا أنه إكراه حر، مادامت الإرادة تخضع للقانون الأخلاقي الصادر عن العقل من أجل مقاومة التأثير الذي تمارسه الميولات الغريزية من جهة، ومن أجل المحافظة على كرامة الإنسان واحترامه من جهة أخرى، ويميز كانط بين نوعين من الأوامر الأخلاقية، أوامر أخلاقية شرطية ترتبط بالنتائج التي تتطلبها الضرورات العملية، فتكون الواجبات في هذه الحالة مجرد وسائل لتحقيق غايات معينة، كأن نقول الصدق من أجل أن نكسب ثقة الناس، وأوامر أخلاقية قطعية أو مطلقة، وهي تلك التي تنظر إلى الأفعال في ذاتها لا من حيث النتائج المترتبة عنها، كأن نقول الصدق دائما لأنه واجب أخلاقي صادر عن العقل العملي، هكذا فالواجب المرتبط بهذه الأوامر الأخيرة يتميز بكونه غير مشروط بأية نتائج منتظرة، فهو يحمل غايته في ذاته، كما أنه ذا صبغة كونية وشمولية، وهو زيادة على ذلك يتسم بطابعه الصوري والعقلي المجرد، وبالرغم من هذا الطابع الصوري والكوني للواجب الأخلاقي عند كانط، فهو يعبر عن حرية الإنسان والتزامه بقوانين كونية نابعة من العقل، كما يجعله يتصرف كما لو كان في نفس الوقت مشرعا وفردا في مملكة الإرادة.
من جهته ينتقد جون ماري غويو التصور الكانطي واصفا إياه بالصورية والتجريد والمثالية التي تقصي الأهواء وتنفي خصوبة الحياة "بواجب" هو أشبه ما يكون بالأمر العسكري، ويعتبر أن الواجب يوجد في الحياة وقوانينها، إنه شعور وقدرة طبيعية يملكها كل فرد تدفعه إلى الفعل الأخلاقي، وهذا الشعور الداخلي يجعل من الواجب فيضا حيويا خارج كل ضغط أو إكراه.
المحور الثاني: الوعي الأخلاقي:
يمكن تعريف الوعي الأخلاقي أو الضمير الأخلاقي بتلك القدرة على إصدار أحكام معيارية على الأفعال الإنسانية وبالتالي فهذا الوعي هو الذي يضع معايير التمييز بين الرذيلة والفضيلة وبين الممنوع والمباح، فمن أين ينبع هذا الوعي وما هو مصدره؟
إن روسو يرجع الضمير الأخلاقي إلى الطبيعة الفطرية والغريزية في الإنسان والتي تدفعه نحو الخير، فهو يقول أن "في أعماق النفوس البشرية يوجد مبدأ فطري للعدالة والفضيلة" تقوم عليه أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير فنصنفها بالخيرة أو الشريرة، وإنني أسمي هذا المبدأ باسم الوعي (روسو) وعي يشبه الأحاسيس الباطنية، تلقائية وعفوية تضمن توافقنا مع الأشياء والأشخاص، أي توافق معاييرنا مع الواجب الأخلاقي.
ومن منظور مغاير يرى فردريك نيتشه أن الوعي الأخلاقي إحساس تأسس على الطابع المأساوي الذي ميز علاقات الناس المنقسمين إلى سادة وعبيد، إن الوعي الأخلاقي نتج عن تلك العلاقة التجارية الأولى بين الدائن و المدين، فضرورة تسديد الدين مثلا تعتبر واجبا والتزاما من طرف الدائن تجاه المدين، ويحق لهذا الأخير أن يعوض دينه بشيء آخر مما يملكه الدائن بما فيه جسده أو زوجته …، أو حريته ...، إن هذه التقديرات الشنيعة في دقتها هي التي تأخذ قوة القانون وتغدو سلطة للقوي على الضعيف العاجز، فأصل القيم الأخلاقية كالخطأ والضمير والواجب مستنبتة على هذه الأرض بدماء كثيرة ومأساوية فادحة. 
المحور الثالث: الواجب والمجتمع:
إن المصدر الوحيد للواجب الأخلاقي حسب دوركايم هو المجتمع الذي يمارس نوعا من القهر والجبر على الأفراد الذين ينتمون إليه، حيث إنه يرسم لهم معالم الامتثال للواجب الأخلاقي باعتباره الغاية الأسمى التي تهدف إلى استمرار النظام والتوازن الاجتماعيين، يسلب الواجب الأخلاقي وعي وإرادة الأفراد، لأنه لا يعبر عن سلطة فردية لكونه نتاج ضمير ووعي جمعيين، وبالتالي فإن الأفراد باعتبارهم أعضاء في مجتمع حينما يتصرفون تصرفا أخلاقيا، فإنهم لا يسلكون إلا بمقتضى القواعد الأخلاقية ذات الطبيعة الإلزامية والإكراهية، يتصف بها الواجب باعتباره ظاهرة اجتماعية بامتيازـ فإرادة المجتمع تتجاوز وتفوق إرادة الأفراد، لاعتبار واحد هو أن الإنسان، حسب دوركايم لا يمكن أن يكون إنسانا إلا بانتمائه إلى مجتمع محدد.
وحسب برغسون لا يجب أن نحصر مفهوم الواجب في بقعة الوطن الضيقة بل علينا أن نوسع منه حتى يشمل الإنسانية بكاملها، فلا ينبغي إنكار أهمية المجتمع في تحديد الواجبات الأخلاقية، غير أنه بالمقابل لابد من الانفتاح على الواجبات الإنسانية من حيث هي كذلك إذا كانت غاية القيام بالواجب في الفلسفة الأخلاقية هي الواجب ذاته، فإن الأمر معاكس تماما حينما نقارب الواجب الأخلاقي من منظور اجتماعي، حيث تتحدد دلالاته انطلاقا من رغبات الأفراد وإرادتهم، لتصير في الوقت نفسه إرادة المجتمع تقهر وعي الأفراد فتجعلهم ملزمين بالقيام بالواجب بنوع من الترهيب أو الترغيب الاجتماعيين، نفس الشيء قد يقال عن بعض المذاهب الفلسفية الوجودية حينما اعتبرت الإنسان مشروعا، بمعنى أنه حر في الاختيار، لكنها رغم ذلك قيدت تلك الحرية لاعتبار واحد، هو أنه يجب لاختيارات الفرد أن ترتبط بالناس الآخرين وبالإنسانية جمعاء، فعندما أختار لنفسي فإنني يجب أن أكون مسؤولا عن اختياري تجاه ذاتي ومجتمعي أيضا
استنتاجات عامة:

ما يميز الواجب الأخلاقي عن الواجبات القانونية هو أن هذه الأخيرة مفروضة على الفرد من خارج ذاته، وتتميز بالإكراه، في حين أن الواجب الأخلاقي نابع من إرادة الفرد واختياره الحر، إن القيم الأخلاقية، وإن بدت مُثلا عُليا وسامية يسعى إليها الإنسان ويطلبها، فإن التاريخ يحدثنا أن عملية نشرها وتنزيلها على أرض الواقع نتج عنها الكثير من الجرائم والفضاعات الإنسانية كالحروب والإعدامات والعقوبات الوحشية ...، إن الواجب الأخلاقي وإن بدا نابعا من الداخل فإن مصدره هو المجتمع، حيث تتسرب قيمه الأخلاقية إلى داخل الشخصية الإنسانية من خلال آلية التنشئة الاجتماعية (التربية)، وهي ما يسمى عند سيغموند فرويد بالأنا الأعلى وهو أحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية.

Download